الرئيسية | أخبار المدرسة | بين الحزم واللين والجد والمزاح - أ.عبد الرؤوف أبو شقرة

بين الحزم واللين والجد والمزاح - أ.عبد الرؤوف أبو شقرة

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
بين الحزم واللين والجد والمزاح - أ.عبد الرؤوف أبو شقرة

بسم الله الرحمن الرحيم

 

بين الحزم واللين

والجد والمزاح

 

"المزاح: إذا كان على الاقتصاد محمود، فقد روي عنه عليه السلام أنه قال: "إني لأمزح ولا أقول إلا حقا" ، وروي عنه صلى الله عليه وسلم كلمات مازح بهن، وقال سعيد بن العاص لابنه: اقتصد في مزاحك، فالإفراط فيه يذهب بالبهاء، ويجرئ عليك السفهاء، وتركه يقبض المؤانسين ويوحش المخالطين، ولكن الاقتصاد فيه صعب جدا لا يكاد يوقف عليه، ولذلك تحرج عنه أكثر الحكماء حتى قيل: المزاح مسلبة للبهاء، ومقطعة للإخاء، وفحل لا ينتج إلا الشر" انتهى من كلام الراغب الأصفهاني رحمه الله في كتابه الذريعة إلى مكارم الشريعة ص 201 .

قلت: وأحق الناس في الانتباه لمقدار المزاح أهل الرياسة على اختلاف أشكالها، فإنه بحاجة إلى شيء من اللين الذي يكون بالمزاح وغيره، ليستقطب النفوس، فإذا فعل ذلك ظفر بأجود العمل وأحسنه، وإن لم يكن عنده شيء من المزاح أو اللين، فإن رعيته تضيق به ذرعا، وتنتفض من أوامره، رغم أنه على حق فيما يأمر، فهو يرى ما لا يرى غيره، لأنه ينظر إلى الأمور وإلى الناس من القمة، فتنكشف عنده الأمور من جهاتها الأربعة، فينقب عن مصلحة المجموعة، وهذا ما لا يتنبه له من دونه من الناس، لأنهم يبحثون في الغالب عن مصالحهم الخاصة لا مصالح العامة لضيق رؤيتهم، والمُخلص منهم يبحث عن مصالح الجماعة، إلا أن نظره محدود باتجاه واحد، فهو لا يرى كل شيء فلا يحسن الحكم، وقد قال أهل الأصول "الحكم على الشيء فرع عن تصوره"، فحيث لا يتصور أفراد الناس مصالح الجماعة من جميع أطرافها، فلن يحكم المرء على الأمور حكما سليما، ولن يعرف لقضاء أهل الرياسة حكمة، ويحسب أن قراره خبطا، وفعله شذرا، حتى يمتلئ حنقا، ولن يفرغ هذه النفوس إلا طيب الكلمة، والتصدق بالابتسامة، وشيء من المزاح، على أن لا يكثر حتى لا تكون له خلقا وعادة، فينسى الحضور مقامه، فيستعصى على أوامره.

وقد وقعت على كلام نفيس للسلطان عبد الحميد الثاني، يدل على حذقه، ونفاذ بصيرته، حيث قال رحمه الله "إن ضعف الدولة العثمانية نابع من اتساع رقعتها، فاجتماع كثير من الشعوب تحت راية واحدة جعل ادارة هذه الشعوب أمرا صعبا. يخطئ من يظن أن الاجراءات الشديدة ستوصلنا إلى وضع أحسن، إن هذا النوع من الاجراءت لن يؤدي بامبراطوريتنا إلا إلى الفناء إننا أشبه ما نكون بنهر منحدر فاض عن مجاريه" انتهى من مذكرات السلطان عبد الحميد الثاني.

فكلما وضعنا حاجزا أمام منفذ من منافذه ازداد تفرقا، ولكن توجه مجاريه إلى مجراه الرئيسي..

ولا بد على العامة أن يتكلفوا فهم الحكمة من أفعال أهل الرياسة إن كانوا محل ثقة، ولا ينبغي أن يعلقوا استجابتهم على فهم الحكمة من الأمر، فقد لا يصلوا إليها أحيانا، لخفاء كثير من الأمور عليهم، اللهم إلا إن كان الأمر ظاهر النكارة، ولذا الصحيح من قوله تعالى (وشاورهم في الأمر) أنه ينبغي مشاورتهم ولا يجب على الرئيس أن يستجيب لأمرهم وإن أجمعوا على شيء ما، لأنه يرى ويعلم بحكم منصبه دقائق لا يعرفها الباقون وهذا ما جرى عليه فعل الصحابة، وهذا بخلاف ما هو شائع اليوم من إلزام الرئيس برأي الأكثرية، وسن القوانين بناء على رأي الأكثرية، رغم غلبة الجهل على العامة، وعدم التجرد عن الذاتية في طرح الرأي، وتسلط والأهواء والنفوس المغرضة وهي غالبا أكثرية.

وعلى أهل الرياسة معرفة أن طباع التمرد في العامة أمر طبيعي لضيق رؤيتهم، وعدم تمرسهم، فلا يتفطر قلبه لحالهم ولتسخطهم، فهذا أمر لا يمكن إيقافه وإن أمكن الحد منه، نعم قد يظهر نفسه بصورة الغضبان، لكن لا حاجة للغضب حقيقي، والغيظ الشديد وإلا قضى عمره مغتاظا..

واعلم أن الرئيس بين حدين، فإما شدة تستجلب الثورة والضجر واللوم الممقت للنفس، وإما لينا يستجلب الفساد والغي، وخير الأمور من جمع بين الأمرين ووفق لكل زمان ولكل حال ما يلائمه..

 فيفرق بين وقت العمل والذروة، ووقت الرخاء، فيغلب الحزم في الأولى واللين في الأخرى..

 ولا يلزم من الحزم الغلظة والفظاظة، بل يحزم في موضع الحزم وعند الأمر دون فظاظة، فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر الناس حزما وأحسنهم أسلوبا قال المولى سبحانه في حقه (فإذا عزمت فتوكل على الله) وقال (ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك)، فهذا رسول الله أحسن الناس خلقا وأطيبهم طبعا، وهو رسول الله المؤيد بالوحي، مع ذلك لو كان فظا لانفضوا من حوله فكيف يكون حال غيره من الناس ؟!

   نعم، ربما يفرط الناس تفريطا منكرا، فلا بد حينها من الحزم المرافق للتعنيف والغلظة قال تعالى (يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم) فأمر رسوله بالغلظة عند جهاد المنافقين، وجهاد المنافقين يكون بالحجة والنقاش الغليظ، لأنهم يعرفون الحق ويحيدون عنه، وقال (وليجدوا فيكم غلظة)، لكن على أن لا تكون هذه عادة، بل لا بد أن يرخي ويمد أسباب القرب والمحبة خاصة في غير ساعة الحصاد.

وربما ظُنّ أحيانا أن الشدة ستؤدي إلى نجاعة العمل ولا يهم ما هو حاصل بعدها، فليسخط من يسخط، وليغضب من يغضب، وهذا ظن جانب الحق..

لأن الرعية إن لم تشعر بالانتماء وضرورة الانقياد ومحبة الجماعة، أدى بها الأمر إلى التفلت من القيود، ويتسلل إليهم الملل، ويصبح العمل إسقاطا للواجب، وقصدا للمنفعة، كما أنه يؤدي إلى تفكك الجماعة، ونفاذ الإخلاص، وتسلل الأغراض، فأي نجاعة تكون بعدها ؟

والسير في السياسة على قدر، بلا إفراط أو تفريط، أمر عسير وليس بمستحيل، وهو بحاجة إلى علم وتجربة وطبع صالح لسياسة الناس، من حيث الأسلوب وفهم الواقع والنفس البشرية.

وهذا كلام عام يصلح في كل راع ورعيته، سواء رئاسة دولة أو مدينة أو عائلة أو جماعة أو الرجل مع زوجته وأبنائه، أو مؤسسة أو فريق رياضة، أو قائد كتيبة ..إلخ.

وها أنا ذا أضرب أمثلة ثلاثة لأزيد من الأمر وضوحا.

مثال الرئيس في بلده ..

رئيس الدولة يرى ما لا يراه الناس، فهو يعلم الأحلاف الحقيقية من الكاذبة، ويدقق في أحوال الاقتصاد ويتوقع ارتفاعه وهبوطه، ويعرف حاجات الناس الأساسية، وحاجاتهم الثانوية، ويستطيع تقدير قدرة الدولة على خوض الصراعات، أو إقامة الأحلاف، فإذا أصدر قرارا فإنه ينشئه بناء على معطيات كثيرة خفية، وخبرة واسعة عملية، وقد يقرر أن يسلك طريقا تقشفية في الدولة تبدأ في بناء المشاريع الاقتصادية وتنتهي ببناء جيش قوي، وهذه الخطة تبدأ بضيق وتنتهي بانفتاح وقوة، لكن أغلب الناس لا يدركون هذه الجوانب، وأحسنهم حالا من يدرك بعضها فقط، ولذا سيكثرالناعقون بالسخط والتذمر،  فإن ردوا بالقوة انتهى الأمر بالثورة، وإن أرخي العنان لهم فإنهم سيفرطون في المهام والوظائف فتتعطل دوائر الدولة، ولكن ينبغي أن يسلك طريقا وسطا جامعا بين الأمرين، وأن يقودهم بالحزم المرافق للكلمة الطيبة كما بيناه سابقا.

وبقاؤه في الحكم -إن كان صالحا أمينا- خير من خلعه وتبديله بفترات محدودة، لأن كثيرا من صفات القائد الناجح مكتسبة من خلال التجربة، فكلما خلعنا رئيسا ووضعنا آخر كان الآخر -غالبا- أقل خبرة ومعرفة، كما أنه يحتاج إلى مرحلة نضوج في القيادة والسياسة، لأنه ستتكشف له أمور لم يكن يراها من قبل.

مثال الرجل في بيته ..

فإن الرجل -غالبا- مصدر الدخل في البيت، وهذا يعني أنه يدرك طبيعة عمله، يعرف متى تكون أوقات الرخاء وأوقات الشدة، كما أنه يقدر مصارف البيت وحاجاته، وقد يبني لنفسه مشروعا يقبض يده في أوله حتى يجمع مالا ويفتح مشروعا يدر عليه بالأموال لاحقا، كما أنه أكثر حزما وتعقلا، وأكثر قدرة على الحد من عواطفه والنظر إلى الأمور بعين الحكمة، وكل هذه الجوانب أو أغلبها لا تدركها زوجته وأبناؤه، فإن منعهم المال لغاية نبيلة، وأذاقهم حياة التقشف في أول الأمر لبناء نفسه ماليا، أو لعلمه أن عمله سيدخل في مرحلة كساد، فإن هذا الحال مدعاة للضجر والملل، ومنشأ للمشاكل، وبالتأكيد سينظر الولد لأبيه بعين السخط والبخل لأنه بظنه ذو مال يمنعه حقه، وهذا الشعور لا بد أن يواجه بالحزم المرافق للين، فإن اقتصر على الحزم كثر تمرد الأبناء وتسخطهم، وإن تركهم ومصروفاتهم أضاعوا أنفسهم وأهلهم، لذا لا بد أن يشعرهم بالحزم، وأن يتلطف معهم المرة تلو الأخرى.

وكذا الزوجة فتجد منهن من تحاول أن تقبض يدها على كل قرش، وأخرى تريد اقتناء كل شيء، ومقدار صرف المال مقصور على معرفة مداخله ومصارفه، وهذا الأمر بيد الرجل، لذا بحاجة لأن يتعامل بحزم ولين ليسلك الطريق المناسب وخططه في الحياة.

ومثال المدير في مدرسته ..

المدير الناجح يعرف معلميه وطلابه، من حيث القدرة والبذل والعطاء، كما أنه يواجه ضغوط الآباء والمؤسسات المسؤولة عن مدرسته، وهو في مهمته هذه يحاول أن يرضي المعلمين والطلاب والمؤسسة والأهالي، وكل من هذه الجهات يحاول الجذب لجهته، وهو واقف في المنتصف، يحاول التوفيق بينهم، وإرضاء الجميع أندر من عنقاء المغرب، كما أن لديه مقدارا محددا من المال يحاول ملاءمته مع حاجات المدرسة المتنوعة.

فعندما يقرر المدير قرارا، فإنه -من المفروض- أن يكون مبنيا على النظر إلى كل تلك المعطيات، أما المعلم أو الطالب أو الأهل أو المؤسسة المسؤولة، فلن يقدروا النظر إلى قراره إلا من جهة واحدة، كل ينظر من جهته، لذا تراهم يتسخطون لقراراته لعدم فقههم لها وعدم إدراكهم لأبعادها.

فإن أرخى لهم العنان وأعطى كلا مسألته، فإن العمل والمدرسة لا بد ستفسد، فينبغي أن يحزم معهم حزما مقرونا باللين، فإن فقد اللين وحسن المعاملة في تصرفه، وجد الإجماع على سوء إدراته، رغم أنه إجماع باطل هش، لا يقوم على دليل، بل قائم على الأهواء والرغبات النفسية.

كما أن المعلم لن يكون من أصحاب البذل والعطاء وهي من الضروريات لنجاح المدرسة، ونفسية المعلم ستنعكس على أدائه وعلى طلابه.

كما أن الطالب سيضع المدرسة وإدارتها ندا له، ويفقد الشعور بالانتماء لها، وأنه جزء منها، وهذا أمر يترتب عليه فساد في الأخلاق وفي التحصيل.

 فينبغي الحزم وينبغي اللين كما مر تفصيله.

وكذلك المعلم مع طلابه، فإنه إن فرض عليهم ما يريد بالقوة والتهديد، وجد التسخط وبغض المادة والضجر من المعلم، ولكن ينبغي أن يجمع بين الحزم فلا يفرض فيما يطلبه منهم، ولك ما أحسن أن يقدم طلباته الحازمة مع نصيحة أو مزحة أو ضحكة، بحيث يشعره بأنه أب شفوق، لا حاكم متسلط، فيمتص غضب الطالب وحنقه دون التفريط في مهامه.

وأمثلة هذه المسألة من السيرة النبوية كثيرة، إلا أن فتور الهمم، وقلة العزائم، قد جففت قلمي، وسكبت أداتي، وأوقفتني عند حدي، فرأيت الاقتصار على القليل المقروء، والابتعاد عن التطويل الممنوع.

والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل.

أخوكم عبد الرؤوف محمد أبو شقرة

18-6-1432

21-5-2011

الإشتراك في تعليقات نظام RSS التعليقات (0 مرسل)

المجموع: | عرض:

أضف تعليقك

الكلمات الدليلية:

لا يوجد كلمات دليلية لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

2.33