الرئيسية | أخبار المدرسة | ذكرى المولد النّبويّ- مناسبة لمعرفة الرّسول صلّى الله عليه وسلّم والتّعريف به

ذكرى المولد النّبويّ- مناسبة لمعرفة الرّسول صلّى الله عليه وسلّم والتّعريف به

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
ذكرى المولد النّبويّ- مناسبة لمعرفة الرّسول صلّى الله عليه وسلّم والتّعريف به

تحلّ هذه الأيامُ ذكرى مولد الرسول الهادي والنبي المختار صلى الله عليه وسلم، تلك الذكرى المباركة التي تُذكِّرنا بميلاد هذا الإنسان العظيم الذي غيَّرَ مجرى التاريخ، وحقق العدلَ والرحمةَ في المجتمع الذي عانى الظلم والاستبداد والجَوْر وشتى الأمراض الخُلقية ردحا من الزمان قبل بعثته، وأزال الجهل ونشر العلمَ ورسَّخ الإيمانَ في نفوس الناس وقضى على العصبيات والقوميات، وأنقذ أجيالا من الجاهلية ومن براثنها...

 

 

 

تحلّ هذه الأيامُ ذكرى مولد الرسول الهادي والنبي المختار صلى الله عليه وسلم، تلك الذكرى المباركة التي تُذكِّرنا بميلاد هذا الإنسان العظيم الذي غيَّرَ مجرى التاريخ، وحقق العدلَ والرحمةَ في المجتمع الذي عانى الظلم والاستبداد والجَوْر وشتى الأمراض الخُلقية ردحا من الزمان قبل بعثته، وأزال الجهل ونشر العلمَ ورسَّخ الإيمانَ في نفوس الناس وقضى على العصبيات والقوميات، وأنقذ أجيالا من الجاهلية ومن براثنها، وقاد البشرية نحو العزة والسؤدد، حتى أصبحت أمتُه خير أمة أخرجت للناس، ملَكَتْ أزمِّة القيادة، ونالت درجات الريادة، وضربت للعالم أروع الأمثلة في كل المجالات، هَزمَت الكفار، وفتحت الأمصار وغرست منهج الله في النفوس ومكنَتْ له في الأرض.

وفي هذا المقال سأتكلم عن التعريف بالرسول وبرسالته في هذه المناسبة الغالية.

ذكرى المولد مناسبة لمعرفة سُنّة الرّسول وسيرته وصفاته الخَلْقية والخُلقية

يختار الناس ذكرى وفاةِ أو ميلادِ زعمائهم وقادتهم وعلمائهم ومفكريهم وأحبَّائهم للاحتفال بهم وذِكْر مناقبهم والتعريف بهم وبأخلاقهم وبما خلفوه وما قدموه للإنسانية، وكلُّ هذا سنةٌ حميدة وعادةٌ حسنة، إنْ لم يصاحبها شرور وفجور ومنكرات وتصرفات تهدِم وتُخرِّب وتُفسد وتُبَدِّد.

ومناسبة ذكرى المولد النّبوي الشريف تُعتبر من أهم المناسبات الإسلامية المواتية للاطلاع على ما تركه لنا رسولنا وقدوتنا وإمامنا صلى الله عليه وسلم ولمعرفتِه حق المعرفة في جوانب حياته كلها، لأن نفوس الناس حينئذ تكون مستعدة ومهيأة ومشتاقة لسماع ما يتعلق بالرسول صلى الله عليه وسلم.

ولكي يكون وفاؤنا كبيرا له عليه الصلاة والسلام، ويدخل حبُّه شغاف قلوبِنا لا بد من أن نَطَّلِع على أوصافه الخَلْقِية والخُلُقية، ونكونَ على دراية ببعض جوانب حياته أو كلها، فما أَحَبَّ أحدٌ آخرَ ولم يسبق له أن رآه ولا سمِع عنه ولم تبلُغه أوصافه ولم يقرأ عنه.

فالمعرفة والرؤية سبيلان للمحبة، وكلما ازدادت المعرفة بمحاسن المحبوب وتجلت أوصافه الحسنة ازداد حبه وتَوطَّدَ، والشوق إليه تَولّد وتَجَدَّد، والجهل به انمحى وتَبَدَّدَ.

وإننا إذا عرفنا شخص الرسول الكريم صلى الله عليه وآله وسلم وحُسْنَه وإحسانَه، ونُعوتَه وصفاتِه وشمائلَه امتلأ القلب بمحبته وتعظيمه وهاج الشوق إليه، وازداد التعلق به، وزال الضُّعف الإيماني والجفاف الروحي وذهبت الجفوةُ والقسوة القلبية، وتهذبت الأخلاق، وتطهرت الأرواح، وامتلأتِ النفوس بالتعظيم، وانشرح الصدر وانجلَتِ الهموم عند تجلي تلك المحاسن.

أمَّا من لم يعرف شيئا عن نبيه صلى الله عليه وآله وسلم فكيف يحبه؟ ومن أين يأتيه الشوق إليه؟ وفي ذلك يقول الحق سبحانه عن الذين عادَوْا وآذَوُا الرسول إذ لم يعرفوه حق المعرفة: " أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ (69) أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ ۚ بَلْ جَاءَهُم بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ (70) "، يا حسرة على من لم يعرف هذا الإنسان ولم يتبَعْه ولم يحبه ولم يتمن أن يكون ممن يعرفه في الدنيا ومعه في الآخرة.

إن ذكرى المولد النبوي مناسبة لمراجعة المعارف والمعلومات حول هذا الإنسان، وفرصةُ للتعرف على جوانب العظمة في حياته، ولكي تحصل بعض المعرفة برسول الله صلى الله عليه وسلم يحسن بالمسلم أن يُجالس الدعاة الربانيين الداعين إلى سنته، السائرين على منهجه، وأن يتوفر في بيته على الأقل على كتاب واحد من سنته، وواحد من سيرته، وآخر من شمائله، وآخر من دلائل نبوته.

إن معرفة الرسول في حد ذاتها خدمةٌ لجنابه الكريم وتذكيرٌ -للنفس أولا ولغيرها ثانيا- بفضله وتعريفٌ به وثناء عليه وتعظيمٌ لقدره وتقربٌ منه واكتسابٌ لمحبته وإعانة على شهود ذاته بذكره وتذَكُّر أحواله.

نتذكره صلى الله عليه وآله وسلم ونذْكُره في ذكرى مولده كي تتجسد فينا تلك الشخصية النبوية النورانية سلوكا إيمانيا، وعملا جهاديا، وحتى نكتشف من خلال دراسة سيرتِه أسرارَ منهاجه في التربية والتعليم، وفي التنظيم والجهاد، ما يرفع العبد إلى مقام الإحسان، والأمة إلى حيث تنال شرف الاستخلاف في الأرض.

إن شباب اليوم يعرف كثيرًا من المعلومات عن الفنّانين والرّياضيّين والتّافهين.... ويجهل كثيرًا عن الرسول وحياته وسيرته وسنته وأخلاقه..، وأذْكُر بالمناسبة وخلال إحدى الامتحانات الشفوية في مادة التاريخ الإسلامي بالجامعة دخل معي طالب يعمل معلما في الابتدائي لاجتياز الامتحان، وبدأ الأستاذ يسألنا، وتكلم صديقي خلال جواب له عن الرسول، وإذا بالأستاذ يسأله هذا السؤال البسيط الذي يعرف جوابه العوام من الناس، أين دُفِن الرسول؟ فيجيبه المعلم بهذا الجواب: "في الحج" فيسأله الأستاذ، أين بالضبط؟ فيجيب الطالب المعلم: "في مكة"، فلامه الأستاذ على هذا التقصير وطلب منه أن يقرأ ويبحث لأنه في مهمة التّعليم والتّدريس.

ذكرى المولد مناسبة للتّعريف بالرّسول ورسالته

ذِكْرُ النِّعم والتذكير بها شيء مشروع محمود مطلوب محبوب أمَرَنا به الله جل شأنه في كتابه فقال: " يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ"، ولكَوْن رسول الله عليه الصلاة والسلام هو النعمة المُسداة، فعلى الأمة في ذكرى مولده أن تتذكره فتَذكُرَه وتُحدِّث به ولا تمل ولا تكل ولا تعيى، قال الله تعالى لرسوله الكريم: "وأمّا بنعمة ربّك فحدّث"، وإننا حينما نتحدث عن رسول الله نُذَكِّر الناس بنعمة عظيمة، لأنه صلى الله عليه وسلم من أعظم نعمِ الله على العالمين، وما عرفتِ البشرية نعمةً أعظمَ ولا أجَلَّ من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهو عظيمُ القدر اجتمعت فيه كل المحاسن والسجايا الحميدة، وله من الخصائص ما ليس لأحد، وحاز من الفضائل والكمالات ما لم يكن لأحد قبله ولا بعده.

طلبَ الله تعالى من رسوله الكريم في كتابه العزيز أن يُذَكِّر النّاس بأيّامه فقال له: "وذكَّرهم بأيّام الله" ، وخيرُ أيام الله وأعظمها هي ميلاده صلى الله عليه وسلم، لأن بعثته وهجرته وانتصاره ثمرات ليوم ميلاده.

ذكرى مولده صلى الله عليه وسلم نذكُرها ونُذَكِّر بها الأمة لأنها من أيام الله العظيمة، ونذكُرها ونُذَكِّر بها لأنّ الذكرى تنفع المؤمنين، نذكرها ونُذَكِّر بها لأنّ عهد الأمة برسول الله صلّى الله عليه وسلّم طويل وبعيد، فهي بحاجة لمن يُذكَرها، وبسيرته وحياته يربطها، وبمحبته واتباعه يحلِّيها، وبأخلاقه وآدابه يزكيها، وعلى خدمة ونُصرة دينه والجهاد في سبيله يربيها.

إن رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الرحمة المهداة للعالمين، فواجب على الأمة أن تَنْعَمَ بهذه الرحمة وتفرَحَ بها، قال الله تعالى: " ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (58)﴾ ، فعندما تُطِل ذكرى مولد المصطفى صلى الله عليه وعلى آله وسلم كلَّ عام ينبغي أن يسري عبَقُ هذه الذكرى فرَحًا في النفوس، حتى يُحدِث نشوة في الرؤوس، فتتحرك المشاعر، ويَهيج الحب الذي قد يكون راقدًا جامدًا، فيصبحَ حيًّا متجدّدًا، وإلى الأعلى صاعدًا.

وإن رسول الله هو السراج المنير، فواجب على الأمة أن تستنير به في حياتها، وتستضيء بنوره في ظلمات الحياة الحالكة التي تحيط بها، قال الله جلّ شأنه: "يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (45) وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُّنِيرًا (46)".

إن ذكرى المولد الشريف مناسَبة للتحدثِ عن المصطفى صلى الله عليه وسلم ومَدْحِه وتشنيف الأسماع بالأشعار والقصائد التي تمدحه وتذْكُر محاسنَه وأوصافَه، وبالأساليب المقبولة المحبوبة المُحبِّبة فيه ومناسبة لتذكيِر الناس بصفات كماله ونعوت وسمات جماله، ورواية سيرته وسنته وصفاته وشمائله ودلائله ومداومة النظر في الأخبار المروية عنه بشكل يجعل المسلمين دائمي الاطلاع على أوصاف حبيبهم لا تغيب عنهم هيأته وشكله، وإن غابت صورته، فيشعرون حينئذ بقرب حبيبهم منهم وكأنه ماثل أمامهم.

إن من حق المصطفى صلى الله عليه وسلم علينا أن نَدْرسَ ونُدَرِّسَ سيرته كلما جاءت مناسبة من المناسبات، وليس هذا من الاحتفال المبتدع، فنحن إنما نُذَكِّر الناس بهذه السيرة ونربطهم بهذه الرسالة المحمدية، وقد كان الصحابة رضوان الله عليهم يذكرون رسول الله في كل حين، يقول سعد بن أبي وقاص: "كنا نروي لأبنائنا مغازي رسول الله كما نُحفِّظهم السورة من القرآن" ، يروون لهم ما حدث في بدر وما حدث في أحد وما حدث في الخندق وفي بيعة الرضوان... يروون لهم سيرة رسول الله ليزدادوا معرفة به ومحبة فيه.

فعلينا أن نهتدي بالصحابة الكرام وننتهز الفُرَصَ لنذَكِّر الناس بالرسول الكريم وبرسالته العظيمة.

إننا حينما نحتفل بمولده صلى الله عليه وسلم، إنما نحتفل بمولد رسالة ظهرت على يد رسول الله باعتباره شخصاً أعدَّته العناية الإلهية ليحملَ الرسالة العالمية الخاتمة للبشرية جمعاء، ويوصل النور الإلهي إلى كل إنسان عبر الأزمان، ويبلغ رسالة ربه كي يهتدي الناس، ويَعُمَّ الدين شؤون الحياة كلها.

إن ذكرى المولد الشريف فرصة للاستفادة من تعظيم العامة لهذه المناسبة ولصاحبها، فنغتنمها للحديث عن هذا المخلوق العظيم من المولد حتى الوفاة، ونجتمع مع محبي هذا الإنسان بقصد التهييج على حبه والوفاء له والتخلق بأخلاقه، والتعريف برسالته العامة الخالدة التي جعلها الله رحمة للعالمين، وعَرْضِها على الناس بأسلوب مبَشِّر رحيم رقيق رفيق، وتبليغِهم بما تركه لنا، والتفكيرِ في السبل لنشر دعوته ورسالته بين العالمين، كي تستردَ أمة الرسول العزةَ المفقودة، وتنالَ الرفعة والمكانة اللائقة بها بين الأمم، وتصلَ إلى المقدمة وتصبحَ مَحَطَّ تقدير واحترام.

وبعد: فعلى قدر عمق حب المؤمن لرسول الله صلى الله عليه وسلم يكون التعلق بذكرى مولده والتفاني في حبه والشوق إليه وخِدْمَةِ رسالته، وذلك برهان على العلاقة الوطيدة التي تربطه بحبيبه المصطفى وبرسالته الخالدة، وبالسلسلة النورانية التي أحبت رسول الله على مر الأيام منذ ولادة المصطفى إلى الكينونة معه في الجنان.

 

المقال مأخوذ من: http://www.aljamaa.net/ar/document/52434.shtml

بقلم: أحمد المتوكّل 2015 

الإشتراك في تعليقات نظام RSS التعليقات (0 مرسل)

المجموع: | عرض:

أضف تعليقك

الكلمات الدليلية:

لا يوجد كلمات دليلية لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0